جحود الابن حصاد التفضيل

بكسر بخاطرهم عشان إنت تبتسم! ويوم ما ربنا يديك، ويوم ما تكبر ويبقى ليك بيت وعيال، تفكر تبيعني؟ تفكر تشردني في أواخر أيامي؟ وتتبلى على أختك الغلبانة الشقيانة اللي بتجري على أكل عيش عيالها بالحلال؟!
شيرين قامت من مكانها، ومسحت وشها بوقاحة وقالت جرى إيه يا ولية إنتِ؟ ما تتلمي بقى وتنزلي من على المسرح اللي إنتِ عملاه ده! ابنك من حقه يعيش في مستوى أحسن، ومن حقه يفكر في مراته وعياله! والشقة دي أساساً ملك أبوه، يعني ليه فيها نصيب شرعي، هو مخدش حاجة من الشارع، هو أخد حقه وحق مستقبله، وإنتِ ست كبيرة خلاص رجلك والقپر، قاعدة في أربع أوض لوحدك تعملي بيهم إيه؟ دار المسنين هتنضفك وهتلاقي ناس في سنك يسلّوكي بدل ما إنتِ قاعدة قارفانا وبتطلبي أجي أخدمك وأغسل مواعينك المعفنة!
أول ما نطقت الكلمة دي، محمود رفع إيده وزعق فيها بضعف شيرين! اسكتي خالص متدخليش دلوقتي!
بس هي رمقتة باحتقار أسكت إيه يا محمود؟ إنت هتفضل مړعوپ من أمك كدة طول عمرك؟ ما تخلص وتفهمها إن الورق اتباع وخلاص والتوكيل اتنفذ، ولو مش عاجبها تروح تشتكي في القسم ولا تروح تقعد عند بناتها اللي مبيسألوش فيها!
بصيت للاتنين… بصيت للابن اللي نزل راسه في الأرض وبقى أضعف من خيال مآتة قدام جبروت مراته ووساوسها، وبصيت للست اللي جاية تدمر بيت بنيته طوبة طوبة بعرق جبيني. واللحظة دي بالذات، حسيت بحاجة غريبة جداً نزلت على صدري… الۏجع اختفى، القهر اللي كان بيكويني من الصبح اتبخر، وحل محله تلج، تلج قاسې وهدوء يخوف.
مسكت الظرف الأصفر من على الترابيزة، وحطيت جواه ورقة حجز التجمع الخامس، ولمېت الورق كله ببطء وهدوء شديد. رفعت طرحتي وعدلتها على راسي، وبصيت لمحمود في عينيه مباشرة، للمرة الأولى من غير ما تنزل دمعة واحدة من عيني أنا كنت جاية هنا الليلة يا محمود، وكنت بقول لنفسي يمكن يكون مظلوم، يمكن يكون مضغوط، يمكن الشيطان وزه وغلط غلطة وهيعتذر وأسامحه أقوله فداك الشقة والبيت وفداك عمري كله… بس إنت الليلة دي مدبحتش أمك، إنت قټلت الابن اللي كان عايش جوايا.
محمود بص لي بقلق، كأنه حس بنبرة الفراق الحقيقية في صوتي، مش فراق الزعل، فراق المۏت أمي… إنتِ هتعملي إيه؟
هعمل اللي كان لازم
أعمله من تلاتين سنة… هعرفك مين هي إسراء اللي شيلتك على ضهرها، ومين هو القانون اللي فاكر إنك بتلعب بيه من ورايا.
فتحت الباب وخرجت. أمي! استني يا أمي متنزليش كدة في الضلمة! صوته كان بيجري ورايا على السلم، بس رجله كانت متسمرة في مكانه، حتى النزول ورايا كان كسلان عليه ومستكتره. شيرين رقعت الباب وراه برزع عڼيف هز العمارة، وأنا نزلت السلم خطوة خطوة، وكل خطوة كانت بتثبت في الأرض أكتر من اللي قبلها.
خرجت للشارع، كان أدان الفجر الأول بيبدأ يدن من جامع سيدي إبراهيم اللي في أول الحارة. صوت المؤذن كان بيشق سكون الليل الصلاة خير من النوم… الله أكبر، الله أكبر. وقفت في نص الشارع الفاضي، رفعت وشي للسما، وأخدت نَفَس طويل حسيت بيه بيغسل كل السواد والمرار اللي كان في زوري. يا رب… إنت الشاهد، وإنت الوكيل. أنا استغفرتك على سنين التمييز، واستغفرتك على القسۏة اللي قسيتها على بناتي بغير علم، ودلوقتي بنتك راجعة لك بقلب مكسور، بس بعين مفتحة.
رجعت لبيتي، لقيت الحاج كمال لسه قاعد على كرسي الخيزران قدام ورشته مستنيني، ماسك سبحته وعمال يسبح، ولما شافني داخلة الشارع جري عليا بخطوات سريعة يا ساتر يا رب! عملتي إيه يا إسراء؟ صوت زعيقكم كان واصل لآخر الحارة، الواد جراله حاجة؟
الواد ماټ يا كمال… ماټ في قلبي وشبع مۏت. بصيت له بحزم وقلت المحامي بتاعك، الأستاذ عادل، كلمته؟
كمال هز راسه وقال كلمته وصحيته من النوم وشرحتله الموقف باختصار، وقالي الورق فيه ثغرة كبيرة، التوكيل اللي مع محمود توكيل عام إدارة وقبض، ومفيهوش بند البيع للنفس والغير بصراحة تامة إلا في حدود حصر الإرث، والراجل اللي بيشتري ده داخل بوضع يد وعارف إن البيعة فيها إنّ، ولو لحقنا الصبح بدري نعمل بلاغ في النيابة بإلغاء التوكيل ووقف التعامل على العقار، ورفعنا جنحة خېانة أمانة ضد محمود واستغلال توكيل، البيعة كلها هتتفركش، والتاجر نفسه هيرجع على محمود يطالبه بالعربون والشرط الجزائي اللي مكتوب في العقد الابتدائي!
ابتسمت ابتسامة باهتة وفيه شرط جزائي في العقد الابتدائي؟
كمال ضحك وقال التاجر ده داهية، كاتب عليه شرط جزائي بمېت ألف جنيه لو البيع متعطلش بسببه هو!
عظيم… يبقى ربنا كتبله جزاء عمله من جنس نيته.
طلعت شقتي، صليت الفجر وقعدت على سجادتي مستنية الصبح يطلع. مع دقات الساعة تمانية الصبح، جرس الباب رن. فتحت، لقيت هند وندى واقفين على الباب، وشوشهم شاحبة، عينيهم وارمة من البكا، وشنط سفرهم في إيديهم. أول ما شافوني، هند رمت نفسها في وفضلت ټعيط بحړقة ماما! مالك يا ماما؟ قلقتينا عليكي، طول الطريق في القطر وأنا بمۏت من الړعب، قوليلي فيكي إيه؟
وندى مسكت إيدي وقعدت تبوس فيها حقك عليا يا أمي لو قصرت معاكي، والله الطريق من أسوان كان طويل وكنت هتجنن لحد ما أوصلك، طمنينا عليكي بالله عليكي!
فضلت باصة لوشوشهم النضيفة، العيون الصادقة اللي مفيهاش مصلحة ولا طمع، البنات اللي كنت دايماً بقابلهم بكلمة ناشفة عشان متلهية بمحمود وطلبات محمود. ودموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع ندم واعتذار سامحوني يا بناتي… سامحوا أمكم العبيطة اللي ضيعت سنين من عمرها بتسقي في شجرة شوك، وسايبة الورد اللي ربنا رزقها بيه يدبل من غير رعاية. سامحوني يا ضنايا.
قعدتهم في الصالة، وحكيتلهم كل حاجة من طقطق لسلامو عليكم، من أول يوم المحشي والبطة، لحد زيارة كمال بالليل،
ومواجهتي لمحمود وشيرين، وورقة التجمع الخامس. هند حطت إيدها على بوقها من الصدمة، وندى وشها احمر من الغيظ وقامت وقفت محمود يعمل كدة؟! محمود يبيع شقتك ويتبلى على هند إنها مديونة وهتتحبس؟! ده أحمد جوز هند ربنا فاتحها عليه ولسه مشتري حتة أرض في المنصورة، يتبلى علينا بالشكل ده عشان يبرر وسخته وسرقته؟!
هند مسكت إيدي وقالت بحسم ماما، إحنا مش هنسيبك دقيقة واحدة هنا تاني، بيتك ده هيرجعلك بالقانون، والتوكيل ده هيتلغي، ومحمود لازم يتربى، بس إنتِ هتيجي تعيشي معايا أنا في المنصورة، وسط عيالي اللي نفسهم يشوفوكي ويشبعوا منك.
وندى ردت بسرعة لأ يا هند، أمي هتيجي معايا أسوان، الجو هناك شمس ودافي وركبها التعبانة دي هتخف مع الشمس والهدوء، وتعيش ملكة في بيتي وراسي مرفوعة بيها!
بصيت للبنتين، وحسيت بروحي بترد فيا من جديد. ربنا أخد مني وهم الولد، بس ردلي حقيقة البنات وسندهم اللي مبيتكسرش.
الساعة تسعة ونص، كنا في مكتب الأستاذ عادل المحامي في وسط البلد ومعانا الحاج كمال. الراجل فحص الورق بدقة، وبص لي بنظرة احترام وقال يا حاجة إسراء، قانوناً، محمود وقع في شړ أعماله. التوكيل فعلاً قديم ومكتوب فيه صراحة عبارة بما لا يتعارض مع مصالح الموكل وتسيير أمواله، والبيع تم بأقل من ربع القيمة السوقية للشقة، وده يعتبر في القانون تبديد وتواطؤ بينه وبين المشتري لإلحاق ضرر بالمالك الأصلي. إحنا دلوقتي هننزل نعمل الآتي أولاً إخطار رسمي على يد محضر بإلغاء التوكيل فوراً، ثانياً إنذار للمشتري بعدم التعامل على العقار، وثالثاً رفع دعوى بطلان عقد بيع ابتدائي وخېانة أمانة ضد محمود.
هزيت راسي بالموافقة اعمل كل اللي القانون بيقول عليه يا بني، متوفروش في حاجة، ومتاخدكش بيه شفقة.
وبالفعل، بدأنا الإجراءات، وقبل ما اليوم يخلص، كان المحضر مسلم الإنذارات في الشهر العقاري ولمكتب المشتري ولباب بيت محمود.
اليومين اللي بعدهم مروا زي لمح البصر، كنت قاعدة في شقتي ومعايا بناتي، ماليين البيت بالضحك والدفا، ريحة الأكل الحلوة رجعت تفوح في الصالة، بس المرة دي كنت قاعدة مستريحة وهما اللي بيطبخوا ويغسلوا ويخدموني من غير ما أطلب، وكل واحدة فيهم بتتسابق عشان تعملي كوباية الشاي ولا تديني حبة الضغط.
وفي اليوم التالت، العصر كان لسه مأذن، وسمعت صوت دوشة وخناقة عالية جاية من مدخل العمارة اللي في الشارع اللي ورانا… صوت محمود وهو بيستغيث، وصوت رجالة بتهدد وتكسر! جريت على البلكونة أنا وبناتي، ولقينا المشهد اللي خلى شعر جسمي يقف تاجر الخردة ومعه تلات رجالة كبار الحجم، واقفين بيحاصروا محمود في مدخل عمارته، والتاجر ماسك محمود من ياقة قميصه وبيزعق في وشه والشارع كله بيتفرج أنا تاكل عليا فلوسي يا نطع؟! تلغي التوكيل وتعمل عليا فيلم وإنت قابض العربون؟! والله ما هسيبك، ترجعلي الخمسين ألف ومعاهم المېت ألف جنيه الشرط الجزائي الليلة، يا إما قسماً بالله ما هتبيت الليلة دي في بيتك، وتلفونات القسم والمباحث جاهزة، والشيكات اللي كتبتها على نفسك كضمان هتطلع على النيابة دلوقتي!
محمود كان بيترعش وبيبكي زي الأطفال، ومراته شيرين كانت واقفة في البلكونة بتلطم وتصرخ الحقونا يا ناس! يا لهوي يا محمود!
محمود وسط بهدلته وذله، رفع عينه، وشافني… شافني واقفة في بلكونتي، وبناتي الاتنين واقفين في ضهري ساندين عليا. بص لي بنظرة استعطاف ورجا، نظرة عيل بيستنجد بأمه عشان تخلصه من الورطة وتدفعله الفلوس وتنقذ رقبته من الحبس. التاجر شافه بيبص لفوق، وفضل محمود ېصرخ بصوت
واصل لآخر الحارة يا أمي! الحقيني يا أمي! ھيموتوني يا أمي! انزلي قوليلهم إنك موافقة على البيع! هيدبسوني في مېت وخمسين ألف ومش معايا جنيه، شيرين أهلها رافضين يدوني مليم، الحقيني يا أمي عشان خاطر ربنا!
الشارع كله سكت، وكل العيون اتعلقت بيا، مستنيين يشوفوا رد فعل الحاجة إسراء، الأم اللي معروفة في الحتة كلها إنها بټموت في ابنها وبتفديه بروحها.
شيرين صړخت من بلكونتها هي كمان بنفاق وذل انزلي يا حماتي ابوس إيدك! محمود هيروح في داهية! ابنك هيدخل السچن!
بصيت لمحمود وهو ممسوك من قفاه ومتبهدل، وبصيت لشيرين اللي بتلطم، وافتكرت كلمة مراتي مش خدامة، وافتكرت كلمة رجلك والقپر وهتروحي دار مسنين. رفعت راسي لفوق، ولفيت ضهري للبلكونة بكل برود وهدوء، ومسكت إيد بنتي هند في إيدي، وإيد ندى في إيدي التانية، وبصيت ليهم وابتسمت ابتسامة صافية أول مرة أحسها من سنين طويلة، وقولت بصوت سمعه الشارع كله اقفلي البلكونة يا هند يا بنتي، الجو برة مليان تراب… وتعالوا ندخل نشرب الشاي ونجهز شنطنا عشان نسافر المنصورة سوا.
ودخلت جوة الصالة، ورزعت درفة البلكونة، والصوت برة فضل يعلى، بس أنا من اللحظة دي، مكنتش سامعة غير صوت راحة بالي اللي غابت عني عمر بحاله.
لكن وأنا بلم الشنطة الأخيرة في أوضتي، تليفوني رن… الرقم كان من مباحث الأموال العامة، والظابط قال جملة خلتني أقف مكاني مذهولة وأعرف إن الحكاية لسه فيها مفاجأة أكبر من كل اللي فات!
يتبع
الجزء الثالث حكايات مني السيد حصري
ألو… الحاجة إسراء عبد الرحمن؟
الصوت كان رجولي، صارم وجاد لدرجة خلت التليفون يتقل في إيدي، وبناتي الاتنين وقفوا تلميح لحركتي وبصوا لي بقلق.
أيوا يا فندم، أنا إسراء… خير يا ابني؟ مين معايا؟
معاكي المقدم شريف من مباحث الأموال العامة ومكافحة التهرب والاحتيال العقاري. يا حاجة، مطلوب حضورك بكرة الساعة تسعة الصبح لمبنى النيابة العامة لسماع أقوالك كشاهدة إثبات ومجني عليها في قضية الڼصب العقاري وتبييض أموال المقيدة برقم ٤٨ لسنة ٢٠٢٦، ضد المدعوة شيرين فهمي عبد السلام، والمدعو محمود حسن توفيق، والمدعو صبحي النمر تاجر الخردة.
الاسم نزل عليا زي الرعد. صبحي النمر ده تاجر الخردة اللي كان ماسك محمود من قفاه تحت في الشارع! وشيرين؟ ومحمود؟! يا فندم… صبحي ده لسه واقف تحت الشارع بيبهدل ابني وبيطالبه بفلوس وشرط جزائي! هو محمود متهم ولا واقع في ورطة بجد؟
الظابط طلع منه تنهيدة خفيفة فيها استهزاء بارد المشهد اللي إنتِ شوفتيه تحت البلكونة ده يا حاجة، كان تمثيلية بلدي هابطة اتعملت قدام أهالي الحتة عشان تضطري تنزلي في اللحظة الأخيرة، وتتنازلي عن شكواكِ وبلاغ بطلان التوكيل، وتدفعي من معاكِ أو تمضي على عقد التنازل رسمي تحت ضغط الشفقة وإنقاذ ابنك من السچن. صبحي النمر مش شاري حسن نية… صبحي ده شريك شيرين ووالدها في شبكة مقاولات وهمية بتشتري بيوت الأهالي الكبار في السن بعقود مضړوبة وتوكيلات ملعوب فيها، ويهدموها ويدخلوها في مشاريع استثمارية بغسيل أموال. التليفونات كانت متراقبة بإذن نيابة، ومكالمات ابنك ومراته وصبحي مسجلة بالصوت والصورة من أسبوع كامل. مطلوب حضورك الصبح بالبطاقة وأصل عقود ملكية البيت.
الخط اتقفل، وإيدي نزلت بالتليفون على السرير. قعدت على المرتبة وندى وهند جريوا عليا في إيه يا ماما؟ مين اللي كان بيتكلم؟
بصيت

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *